Thunder
12-05-2007, 04:36 PM
مرثية نزار لولده توفيق رحمهما الله
لقد توفي توفيق ابن نزار قباني بمرض القلب وعمره 17 سنة ، وكان طالباً بكلية الطب جامعة القاهرة .. ورثاه نزار بهذه القصيدة شهيرة و عنوانها " الأمير الخرافي توفيق قباني "
1
مكسرة كجفون أبيك
هي الكلمات..
ومقصوصة ، كجناح أبيك،
هي المفردات
فكيف يغني المغني؟
وقد ملأ الدمع كل الدواه..
وماذا سأكتب يا بني؟
وموتك ألغى جميع اللغات..
بداية قوية، و صورة شعرية ترسم جلل المصاب، فالكلمات تكسرت كما العيون من البكاء، و اصبحت المفردات مكسورة الجناح تماما كما هو نزار مكسور الجناح لفقد ولده، كيف يمكن ان يكون هناك غناء بعد موت توفيق، و كيف يمكن ان نكتب شعرا اذا كان الحبر دمعا؟ لقد اصمت الحزن نزارا حتى ان الحزن الغى جميع اللغات، فلم يعد هناك لغة قادرة على وصف الفجيعة، او حتى وصف أي شيء في الوجود فقد أصبح كله بلا معنى!
2
لأي سماء نمد يدينا؟
ولا أحدا في شوارع لندن
يبكي علينا..
يهاجمنا الموت من كل صوب..
ويقطعنا مثل صفصافتين
فأذكر، حين أراك، عليا
وتذكر حين تراني ،الحسين
شيء من التمادي في الحزن، فماذا أسأل الله؟ انا أريدك ان تعود فإلى اي سماء ساطلب عودتك؟ لمعرفته ان عودة ولده محال، بل ان الأمر أكثر ايلاما فليس هناك احد يستمع له ، او يكترث لموت ولده فهو في غربة، ، لقد ضرب الموت فهل من يستطيع الوقوف امام الموت؟ لقد فرقنا الموت يا ولدي و كأننا شجرة صفصاف انفصلنا الى اثنتين - شجرة الصفصاف ملتفة حول نفسها بصورة لا يمكن فصلها وكذا حال نزار مع ولده و لكن الموت وحده قادر على الفصل- ثم يربط نزار المه بالتاريخ، فالحسين بن علي بن أبي طالب فقد ابنه في حادثة مفجعة، فنزار يذكر الحادثة من باب التشبيه و تصوير الفجيعة.
3
أشيلك، يا ولدي ،
فوق ظهري كمئذنة كسرت قطعتين..
وشعرك حقل من القمح تحت المطر..
ورأسك في راحتي وردة دمشقية ..
وبقايا قمر أواجه موتك وحدي..
وأجمع كل ثيابك وحدي
وألثم قمصانك العاطرات..
ورسمك فوق جواز السفر
وأصرخ مثل المجانين وحدي
وكل الوجوه أمامي نحاس
وكل العيون أمامي حجر
فكيف أقاوم سيف الزمان؟
وسيفي انكسر..
التعبير الأول غاية في الروعة فنزار يشبه حمله لولده فوق كتفه كمئذنة مكسورة، تخيلوا صورة المئذنة المكسورة و صورة الرجل يحمل ولده الميت، فيها دلالة كثيرة، فالولد امتداد لأبيه، و المئذنة امتداد لبعضها، و الوالد يعلوا بين القوم بعلوا ولده و المئذنة عالية... الكثير من المعاني في سطر واحد، ثم يبدا برسم صورة لولده، فشعره أشقر و كثيف كالقمح، و وجهه احمر كالوردة، و كان وجهه مضيئا كالقمر و مع موته بقيت بقايا القمر، ثم يدخل نزار في تفاصيل رحلة العذاب من جمع أغراض ولده للعودة الى الوطن لدفنه هناك و يبدا بسرد التفاصل الصغيرة لعملية الجمع، ثياب ولده، و قمصانه، و من ثم جواز السفر، أمر مؤلم حقا و لكنها صورة تعكس الحقيقة بأدق تفاصيلها، و من شدة الم الفقد يبدأ بالصراخ كالمجانين، و هو أيضا يعكس الواقع المرير الذي عاشه نزار، بل و اروع الصور تجلت عندما سكن كل شيء حوله، فلم يعد هناك من معنى لأي شيء آخر، فالبشر بدو بنظره تماثيل، يختم المجموعة بشكل رائع، فالولد سند ابيه فأين سندي يا ولدي؟ لقد مات الولد و ذهب السند، ما عاد عندي ما احارب به الزمان! من سيقف لي في شيخوختي!
4
سأخبركم عن أميري الجميل
سأخبركم عن أميري الجميل
عن المكان مثل المرايا نقاء،
ومثل السنابل طولا..
ومثل النخيل..
وكان صديق الخراف الصغيرة،
كان صديق العصافير
كان صديق الهديل..
سأخبركم عن بنفسج عينيه..
هل تعرفون زجاج الكنائس؟
هل تعرفون دموع الثريات حين تسيل..
وهل تعرفون نوافير روما؟
وحزن المراكب قبل الرحيل سأخبركم عنه..
كان كيوسف حسنا..
وكنت أخاف عليه من الذئب
كنت أخاف على شعره الذهبي الطويل ...
وأمس أتوا يحملون قميص حبيبي
وقد صبغته دماء الأصيل
فما حيلتي يا قصيدة عمري؟
إذا كنت أنت جميلا..
وحظي جميلا..
يدخل نزار الآن في وصف ولده أكثر، فهو بالتأكيد جميل في عيون ابيه، شكلا و اخلاقا، فيقول انه نقي القلب، مثل نقاء المرايا، طويل القامة، طيب، يطارد العصافير و الخراف مثل كل الأطفال في نقائهم، ثم يسهب في وصف عينيه، تارة كالبنفسج، و تارة كزجاج الكنائس، و ربما أطثر سمات الحيوية في الإنسان هي النظر فبموته تغلق عينيه، و لهذا اظن نزار كان مهتما جدا في الحيث عن العينين، ثم بدأ نزار يشبه ما حصل معه بقصة سيدنا يوسف، فقد كان ولده جميل و سيدنا يوسف مضرب المثل في الجمال، و لجماله كان يخاف عليه من كل شيء، و يشير الى الذئب بغرض اتمام التشبيه، و من ثم فجأة جاءه خبر وفاة ابنه، تماما كما جاء اقميض سيدنا يوسف لأبيه! فيتسائل مالذي بإمكانه ان يفعله الآن؟ و من باب التهكم يقول ان حظه جميل! ربما يشير في ذلك الى موت زوجته كذلك.
5
لماذا الجرائد تغتالني؟
وتشنقني كل يوم بحبل طويل من الذكريات
أحاول أن لا أصدق موتك،
كل التقارير كذب،
وكل كلام الأطباء كذب.
وكل الأكاليل فوق ضريحك كذب..
وكل المدامع والحشرجات..
أحاول أن لا أصدق أن الأمير الخرافي توفيق مات..
وأن الجبين المسافر بين الكواكب مات..
وأن الذي كان يقطف من شجر الشمس مات..
وأن الذي كان يخزن ماء البحار بعينيه مات..
فموتك يا ولدي نكتة ..
وقد يصبح الموت أقسى النكات
يدخلنا نزار في صراع آخر، صراع عاشه كل يوم لفترة لا بأس بها، فالجرائد كتبت عن موت ولده، و كل يوم لو اراد ان ينسى فإنه سيرى الجرائد و يتذكر، فتشنقه الذكريات لشدتها و هولها فهي تضيق عليه بالتأكيد لمجرد التذكر، و طبعا لهول الصدمة احيانا لا نصدق، و هو ما يقوله نزار هنا، فهو لا يصدق موت ولده، و لا يريد ان تكون تقارير الأطباء حقيقة، فلا القبر حقيقية، و لا الزهور عليه حقيقة، لا شيء مطلقا، يحاول في نفسه تكذيب الخبر لأنه لا يريد ان يصدقه!! و يختم المجموعة بسخرية مرة أخرى، فليس الموت نكتة و لكنه يشير الى ان شر البلية ما يضحك!
6
أحاول أن لا أصدق .
ها أنت تعبر جسر الزمالك،
ها أنت تدخل كالرمح نادي الجزيرة،
تلقي على الأصدقاء التحيه،
تمرق مثل الشعاع السماوي بين السحاب وبين المطر..
وها هي شقتك القاهرية،
هذا سريرك،
هذا مكان جلوسك،
ها هي لوحاتك الرائعات..
وأنت أمامي بدشداشة القطن،
تصنع شاي الصباح،
وتسقي الزهور على الشرفات..
أحاول أن لا أصدق عيني..
هنا كتب الطب ما زال فيها بقية أنفاسك الطيبات
وها هو ثوب الطبيب المعلق يحلم بالمجد والأمنيات
فيا نخلة العمر ..
كيف أصدق أنك ترحل كالأغنيات
وأن شهادتك الجامعية يوما .. ستصبح صك الوفاه!!
لا يزال نزار يعيش في جو غير المصدق، وأصبحت الذكريات تأخذه مع خيالاته، فيرى ولده في كل الأماكن التي كان يذهب اليها، و في كل الأحوال التي رآه مسبقا عليها، و كأنه يستعيد شريط حياة و لده، و رسم صورة جميلة فالأغاني تأتي و تقلب الدنيا و تذهب حتى ان احدا لا يذكرها، فيقول له لقد اتيت و غيرت حياتي و لكنك رحلت بصمت، و الصورة الأخرى هي الشهادة و صك الوفاة، فقد ارسل ولده الى لندن ليتعلم، و لكن بدل ان يعود له بشهادة جامعية عاد محملا بشهادة وفاته، صورة عميقة و مؤلمة.
7
أتوفيق.. لو كان للموت طفل،
لأدرك ما هو موت البنين
ولو كان للموت عقل..
سألناه كيف يفسر موت البلابل والياسمين
ولو كان للموت قلب ..
تردد في ذبح أولادنا الطيبين.
أتوفيق يا ملكي الملامح..
يا قمري الجبين..
صديقات بيروت منتظرات..
رجوعك يا سيد العشق والعاشقين..
فكيف سأكسر أحلامهن؟
وأغرقهن ببحر الذهول
وماذا أقول لهن حبيبات عمرك،
ماذا أقول؟
بدأ الشاعر بلوم الموت، و يبدو ان الفاجعة اخرجته عن صوابه و أصبح يحاور الموت، و يقول لو ان لك طفل ما كنت لتاخذ اطفالنا، و ان الموت ليس له منطق والا فلماذا يموت الياسمين؟ ثم يعود للحديث عن ولده فهو متألم و يريد حقا ان يتحدث عنه، و لكن ماذا يقول؟ ماذا سيفعل؟ فبدأ يتخيل ان العالم من حوله مفجوع بولده هو يحاول ان يرفع من شأنه فهو المرثي في هذه القصيدة، فكل شيء يسأل عن توفيق، حتى ان النساء كلهن في انتظار عودة ولده للزواج به، فهو جميل و سيعود بشهادة كبيرة ..... الخ.
8
أتوفيق .. إن جسور الزمالك
ترقب كل صباح خطاك
وإن الحمام الدمشقي
يحمل تحت جناحيه دفء هواك
فيا قرة العين ..
كيف وجدت الحياة هناك؟
فهل ستفكر فينا قليلا؟
وترجع في آخر الصيف
حتى نراك..
أتوفيق ..
إني جبان أمام رثائك..
فارحم أباك...
http://dr-mahmoud.com/images/stories/Nizar%20Qabbani-5.jpg
ثم لا يزال يتعلق بالأمل، و يسأل توفيق أن يعود، فكل شيء لا زال في إ
نتظاره، ثم يعود لصوابه برهة، و يبدأ بالتساؤل عن حياة ولده الأخرى، هل هي جيدة؟ هل هي جميلة؟ انظروا الى الأب حتى بعد موت ولده يهتم به، بل و يريد ان يهتم ولده به أيضا و يسأله اذا كان سيفكر فيه و من ثم سيرحمه و يعود اليه! و حتى آخر كلمة في القصيدة صورة الفجيعة و عدم التصديق لا تزال هي الأساس فهو يقول لولده ان يرجع فهو غير قادر على رثائه، غير قادر على الوصف أكثر، حتى انه وصف نفسه بالجبن امام هذا الرثاء، قد تكون آخر جملة هي فعلا أجمل صورة على الإطلاق فلا يوجد رجل في الدنيا يقول عن نفسه جبان الا ان نزار يقول انا جبان في هذا يا ولدي!
القصيدة ذات قوافي متعددة، و لهذا تم تجزيئها الى مجموعات، التفعيلة المتكررة في القصيدة هي مفاعلتن، و هناك تفعيلة أخرى و هي مستفعلن، و غالبا يبدا المجموعة بـ مفاعلتن و يختمها بـ مستفعلن.
تعددت الصور البلاغية في القصيدة حتى أنها مرسومة على صور، و مصممة فقط للتخيل، و نجح نزار في نقل فجيعته، و ألمه و إحساسه إلينا، و نجح في جعلنا نرسم الصور معه، تارة بالمئذنة المكسورة، و تارة مع أغراض ولده، و تارة مع ملامح ولده و القمح، و النخيل، و وضعنا مع الموسيقى بنغم حزين و هاديء يناسب الرثاء.
لقد توفي توفيق ابن نزار قباني بمرض القلب وعمره 17 سنة ، وكان طالباً بكلية الطب جامعة القاهرة .. ورثاه نزار بهذه القصيدة شهيرة و عنوانها " الأمير الخرافي توفيق قباني "
1
مكسرة كجفون أبيك
هي الكلمات..
ومقصوصة ، كجناح أبيك،
هي المفردات
فكيف يغني المغني؟
وقد ملأ الدمع كل الدواه..
وماذا سأكتب يا بني؟
وموتك ألغى جميع اللغات..
بداية قوية، و صورة شعرية ترسم جلل المصاب، فالكلمات تكسرت كما العيون من البكاء، و اصبحت المفردات مكسورة الجناح تماما كما هو نزار مكسور الجناح لفقد ولده، كيف يمكن ان يكون هناك غناء بعد موت توفيق، و كيف يمكن ان نكتب شعرا اذا كان الحبر دمعا؟ لقد اصمت الحزن نزارا حتى ان الحزن الغى جميع اللغات، فلم يعد هناك لغة قادرة على وصف الفجيعة، او حتى وصف أي شيء في الوجود فقد أصبح كله بلا معنى!
2
لأي سماء نمد يدينا؟
ولا أحدا في شوارع لندن
يبكي علينا..
يهاجمنا الموت من كل صوب..
ويقطعنا مثل صفصافتين
فأذكر، حين أراك، عليا
وتذكر حين تراني ،الحسين
شيء من التمادي في الحزن، فماذا أسأل الله؟ انا أريدك ان تعود فإلى اي سماء ساطلب عودتك؟ لمعرفته ان عودة ولده محال، بل ان الأمر أكثر ايلاما فليس هناك احد يستمع له ، او يكترث لموت ولده فهو في غربة، ، لقد ضرب الموت فهل من يستطيع الوقوف امام الموت؟ لقد فرقنا الموت يا ولدي و كأننا شجرة صفصاف انفصلنا الى اثنتين - شجرة الصفصاف ملتفة حول نفسها بصورة لا يمكن فصلها وكذا حال نزار مع ولده و لكن الموت وحده قادر على الفصل- ثم يربط نزار المه بالتاريخ، فالحسين بن علي بن أبي طالب فقد ابنه في حادثة مفجعة، فنزار يذكر الحادثة من باب التشبيه و تصوير الفجيعة.
3
أشيلك، يا ولدي ،
فوق ظهري كمئذنة كسرت قطعتين..
وشعرك حقل من القمح تحت المطر..
ورأسك في راحتي وردة دمشقية ..
وبقايا قمر أواجه موتك وحدي..
وأجمع كل ثيابك وحدي
وألثم قمصانك العاطرات..
ورسمك فوق جواز السفر
وأصرخ مثل المجانين وحدي
وكل الوجوه أمامي نحاس
وكل العيون أمامي حجر
فكيف أقاوم سيف الزمان؟
وسيفي انكسر..
التعبير الأول غاية في الروعة فنزار يشبه حمله لولده فوق كتفه كمئذنة مكسورة، تخيلوا صورة المئذنة المكسورة و صورة الرجل يحمل ولده الميت، فيها دلالة كثيرة، فالولد امتداد لأبيه، و المئذنة امتداد لبعضها، و الوالد يعلوا بين القوم بعلوا ولده و المئذنة عالية... الكثير من المعاني في سطر واحد، ثم يبدا برسم صورة لولده، فشعره أشقر و كثيف كالقمح، و وجهه احمر كالوردة، و كان وجهه مضيئا كالقمر و مع موته بقيت بقايا القمر، ثم يدخل نزار في تفاصيل رحلة العذاب من جمع أغراض ولده للعودة الى الوطن لدفنه هناك و يبدا بسرد التفاصل الصغيرة لعملية الجمع، ثياب ولده، و قمصانه، و من ثم جواز السفر، أمر مؤلم حقا و لكنها صورة تعكس الحقيقة بأدق تفاصيلها، و من شدة الم الفقد يبدأ بالصراخ كالمجانين، و هو أيضا يعكس الواقع المرير الذي عاشه نزار، بل و اروع الصور تجلت عندما سكن كل شيء حوله، فلم يعد هناك من معنى لأي شيء آخر، فالبشر بدو بنظره تماثيل، يختم المجموعة بشكل رائع، فالولد سند ابيه فأين سندي يا ولدي؟ لقد مات الولد و ذهب السند، ما عاد عندي ما احارب به الزمان! من سيقف لي في شيخوختي!
4
سأخبركم عن أميري الجميل
سأخبركم عن أميري الجميل
عن المكان مثل المرايا نقاء،
ومثل السنابل طولا..
ومثل النخيل..
وكان صديق الخراف الصغيرة،
كان صديق العصافير
كان صديق الهديل..
سأخبركم عن بنفسج عينيه..
هل تعرفون زجاج الكنائس؟
هل تعرفون دموع الثريات حين تسيل..
وهل تعرفون نوافير روما؟
وحزن المراكب قبل الرحيل سأخبركم عنه..
كان كيوسف حسنا..
وكنت أخاف عليه من الذئب
كنت أخاف على شعره الذهبي الطويل ...
وأمس أتوا يحملون قميص حبيبي
وقد صبغته دماء الأصيل
فما حيلتي يا قصيدة عمري؟
إذا كنت أنت جميلا..
وحظي جميلا..
يدخل نزار الآن في وصف ولده أكثر، فهو بالتأكيد جميل في عيون ابيه، شكلا و اخلاقا، فيقول انه نقي القلب، مثل نقاء المرايا، طويل القامة، طيب، يطارد العصافير و الخراف مثل كل الأطفال في نقائهم، ثم يسهب في وصف عينيه، تارة كالبنفسج، و تارة كزجاج الكنائس، و ربما أطثر سمات الحيوية في الإنسان هي النظر فبموته تغلق عينيه، و لهذا اظن نزار كان مهتما جدا في الحيث عن العينين، ثم بدأ نزار يشبه ما حصل معه بقصة سيدنا يوسف، فقد كان ولده جميل و سيدنا يوسف مضرب المثل في الجمال، و لجماله كان يخاف عليه من كل شيء، و يشير الى الذئب بغرض اتمام التشبيه، و من ثم فجأة جاءه خبر وفاة ابنه، تماما كما جاء اقميض سيدنا يوسف لأبيه! فيتسائل مالذي بإمكانه ان يفعله الآن؟ و من باب التهكم يقول ان حظه جميل! ربما يشير في ذلك الى موت زوجته كذلك.
5
لماذا الجرائد تغتالني؟
وتشنقني كل يوم بحبل طويل من الذكريات
أحاول أن لا أصدق موتك،
كل التقارير كذب،
وكل كلام الأطباء كذب.
وكل الأكاليل فوق ضريحك كذب..
وكل المدامع والحشرجات..
أحاول أن لا أصدق أن الأمير الخرافي توفيق مات..
وأن الجبين المسافر بين الكواكب مات..
وأن الذي كان يقطف من شجر الشمس مات..
وأن الذي كان يخزن ماء البحار بعينيه مات..
فموتك يا ولدي نكتة ..
وقد يصبح الموت أقسى النكات
يدخلنا نزار في صراع آخر، صراع عاشه كل يوم لفترة لا بأس بها، فالجرائد كتبت عن موت ولده، و كل يوم لو اراد ان ينسى فإنه سيرى الجرائد و يتذكر، فتشنقه الذكريات لشدتها و هولها فهي تضيق عليه بالتأكيد لمجرد التذكر، و طبعا لهول الصدمة احيانا لا نصدق، و هو ما يقوله نزار هنا، فهو لا يصدق موت ولده، و لا يريد ان تكون تقارير الأطباء حقيقة، فلا القبر حقيقية، و لا الزهور عليه حقيقة، لا شيء مطلقا، يحاول في نفسه تكذيب الخبر لأنه لا يريد ان يصدقه!! و يختم المجموعة بسخرية مرة أخرى، فليس الموت نكتة و لكنه يشير الى ان شر البلية ما يضحك!
6
أحاول أن لا أصدق .
ها أنت تعبر جسر الزمالك،
ها أنت تدخل كالرمح نادي الجزيرة،
تلقي على الأصدقاء التحيه،
تمرق مثل الشعاع السماوي بين السحاب وبين المطر..
وها هي شقتك القاهرية،
هذا سريرك،
هذا مكان جلوسك،
ها هي لوحاتك الرائعات..
وأنت أمامي بدشداشة القطن،
تصنع شاي الصباح،
وتسقي الزهور على الشرفات..
أحاول أن لا أصدق عيني..
هنا كتب الطب ما زال فيها بقية أنفاسك الطيبات
وها هو ثوب الطبيب المعلق يحلم بالمجد والأمنيات
فيا نخلة العمر ..
كيف أصدق أنك ترحل كالأغنيات
وأن شهادتك الجامعية يوما .. ستصبح صك الوفاه!!
لا يزال نزار يعيش في جو غير المصدق، وأصبحت الذكريات تأخذه مع خيالاته، فيرى ولده في كل الأماكن التي كان يذهب اليها، و في كل الأحوال التي رآه مسبقا عليها، و كأنه يستعيد شريط حياة و لده، و رسم صورة جميلة فالأغاني تأتي و تقلب الدنيا و تذهب حتى ان احدا لا يذكرها، فيقول له لقد اتيت و غيرت حياتي و لكنك رحلت بصمت، و الصورة الأخرى هي الشهادة و صك الوفاة، فقد ارسل ولده الى لندن ليتعلم، و لكن بدل ان يعود له بشهادة جامعية عاد محملا بشهادة وفاته، صورة عميقة و مؤلمة.
7
أتوفيق.. لو كان للموت طفل،
لأدرك ما هو موت البنين
ولو كان للموت عقل..
سألناه كيف يفسر موت البلابل والياسمين
ولو كان للموت قلب ..
تردد في ذبح أولادنا الطيبين.
أتوفيق يا ملكي الملامح..
يا قمري الجبين..
صديقات بيروت منتظرات..
رجوعك يا سيد العشق والعاشقين..
فكيف سأكسر أحلامهن؟
وأغرقهن ببحر الذهول
وماذا أقول لهن حبيبات عمرك،
ماذا أقول؟
بدأ الشاعر بلوم الموت، و يبدو ان الفاجعة اخرجته عن صوابه و أصبح يحاور الموت، و يقول لو ان لك طفل ما كنت لتاخذ اطفالنا، و ان الموت ليس له منطق والا فلماذا يموت الياسمين؟ ثم يعود للحديث عن ولده فهو متألم و يريد حقا ان يتحدث عنه، و لكن ماذا يقول؟ ماذا سيفعل؟ فبدأ يتخيل ان العالم من حوله مفجوع بولده هو يحاول ان يرفع من شأنه فهو المرثي في هذه القصيدة، فكل شيء يسأل عن توفيق، حتى ان النساء كلهن في انتظار عودة ولده للزواج به، فهو جميل و سيعود بشهادة كبيرة ..... الخ.
8
أتوفيق .. إن جسور الزمالك
ترقب كل صباح خطاك
وإن الحمام الدمشقي
يحمل تحت جناحيه دفء هواك
فيا قرة العين ..
كيف وجدت الحياة هناك؟
فهل ستفكر فينا قليلا؟
وترجع في آخر الصيف
حتى نراك..
أتوفيق ..
إني جبان أمام رثائك..
فارحم أباك...
http://dr-mahmoud.com/images/stories/Nizar%20Qabbani-5.jpg
ثم لا يزال يتعلق بالأمل، و يسأل توفيق أن يعود، فكل شيء لا زال في إ
نتظاره، ثم يعود لصوابه برهة، و يبدأ بالتساؤل عن حياة ولده الأخرى، هل هي جيدة؟ هل هي جميلة؟ انظروا الى الأب حتى بعد موت ولده يهتم به، بل و يريد ان يهتم ولده به أيضا و يسأله اذا كان سيفكر فيه و من ثم سيرحمه و يعود اليه! و حتى آخر كلمة في القصيدة صورة الفجيعة و عدم التصديق لا تزال هي الأساس فهو يقول لولده ان يرجع فهو غير قادر على رثائه، غير قادر على الوصف أكثر، حتى انه وصف نفسه بالجبن امام هذا الرثاء، قد تكون آخر جملة هي فعلا أجمل صورة على الإطلاق فلا يوجد رجل في الدنيا يقول عن نفسه جبان الا ان نزار يقول انا جبان في هذا يا ولدي!
القصيدة ذات قوافي متعددة، و لهذا تم تجزيئها الى مجموعات، التفعيلة المتكررة في القصيدة هي مفاعلتن، و هناك تفعيلة أخرى و هي مستفعلن، و غالبا يبدا المجموعة بـ مفاعلتن و يختمها بـ مستفعلن.
تعددت الصور البلاغية في القصيدة حتى أنها مرسومة على صور، و مصممة فقط للتخيل، و نجح نزار في نقل فجيعته، و ألمه و إحساسه إلينا، و نجح في جعلنا نرسم الصور معه، تارة بالمئذنة المكسورة، و تارة مع أغراض ولده، و تارة مع ملامح ولده و القمح، و النخيل، و وضعنا مع الموسيقى بنغم حزين و هاديء يناسب الرثاء.