المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : لماذا تذكروا الكرامة الوطنية الآن ؟!


محمود من القدس
24-11-2009, 05:08 AM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
بسم الله الرحمن الرحيم


عمليات الحشد الإعلامي والسياسي المتتالي والأسطورية حتى الآن بدعوى الكرامة الوطنية التي أهدرت في مباراة كرة القدم في الخرطوم تؤكد بما لا يدع مجالا للشك في أن الحكاية أبعد كثيرا من مسألة اعتداء بعض البلطجية على مشجعين مصريين عقب انتهاء المباراة ، وأن هناك إصرارا على إشعال الحريق لتهييج الوطن كله ، يقابله إصرار على إبعاد العقل تماما عن فهم الأحداث.

لا أريد أن أقلب المواجع في المواقف العديدة التي أهدرت فيها الكرامة الوطنية خارج الوطن وداخله ، بما في ذلك قتل وجرح المصريين أو سحلهم ، ومرت كلها مرور الكرام وبتسامح مثير ، ولم نسمع مثل هذه الأناشيد العسكرية التي تدق طبول الحرب ، ولم نجد مثل هذه الحملة المخيفة على دولة عربية شقيقة وشعبها وتاريخها بالكامل ، دون أدنى وعي بطبيعة التكوين الاجتماعي والثقافي والسياسي للمجتمع الجزائري .

وعمليات التحريض الموجهة للإعلام المصري الرسمي والخاص انتهت إلى إهانة كبيرة لمصر ومكانتها وإعلامها وثقافتها ، لأنه لم يظهر الإعلام المصري بمثل هذا الهوان والإسفاف والتدني بمثل ما يحدث الآن ، كما أن الكثير مما يبث الآن ويقال في الفضائيات المصرية يجرمه القانون المصري نفسه ويضع قائليه تحت طائلة العقاب ، ولكن لا أحد يخشى شيئا ، لأن التوجيه من الجهة التي لا يطالها القانون .

ولو أن الكلام الذي قاله أحمد موسى عن الجزائريين في القاهرة وتحريضه على قتلهم ثأرا "للشهداء" المصريين في الخرطوم ، لو أنه قاله عن الإسرائيليين في القاهرة في أعقاب مقتل الجنود المصريين على حدود رفح وتدمير بيوت مصرية لتم تقديمه للمحاكمة بعد توبيخه بما لم يسمعه من قبل .

المسألة لا تتعلق بالكرامة الوطنية ، ولكن تتعلق بالبحث عن مجد سياسي ضاعت فرصة صناعته بالفوز في مباراة الخرطوم بعد التحضير له ، فيتم الآن محاولة صناعته عن طريق استثمار إحباط الناس من خسارة المباراة وبلطجة بعض المشجعين الجزائريين هناك ، لإثارة معركة خرافية لا صلة لها بالمنطق ولا بالعقل ولا بالمصالح الوطنية ولا حتى الكرامة الوطنية ، من أجل صناعة مجد سياسي للبعض بدعوى أنهم حماة الكرامة الوطنية.

وكأنهم لم يروا كرامة المواطن تسحل هنا في القاهرة وليس في الخرطوم ، أو كأنهم لم يكونوا شركاء في عمليات استباحة كرامة المواطن في وطنه ، ثم دخل على خط المزايدة الرخيصة كل من له مصلحة خاصة شخصية أو طائفية في تسعير الحريق ، فرجال الأعمال الذين لهم مشكلات مالية مع الجانب الجزائري حركوا صحفهم وقنواتهم لتصفية الحسابات ، وكله في زفة الكرامة الوطنية ، والعنصريون أعداء العروبة ـ أيا كانت جهتها ـ وجدوها فرصة تاريخية لهجاء العرب والعروبة والانتماء والأمة.

وبعض القوى الطائفية سخرت منابر مصرية لتصفية حساباتها مع هوية مصر العربية حتى تحولت صحف مصرية إلى نسخة مطبوعة من مواقع أقباط المهجر ، واللوبي الأمريكي الإسرائيلي في مصر نشط بما لم ينشط قبل ذلك ليروج عبر أكثر من قناة وصحيفة إلى فرية مفادها أن مصر أقرب إلى إسرائيل منها إلى العالم العربي .

وبدا في ظل هذه الهوجة أن كل شيء مستباح ، حتى في أمن مصر الداخلي وإهدار القانون ، لدرجة أن يصدر بيان رسمي من وزارة الداخلية يدافع ويبرر قيام مجموعات من الشباب "الغامض" بالتظاهر بالقرب من سفارة الجزائر فدمروا أربعين سيارة وعشرات المحلات التجارية ويصف أعمالهم بأنها "احتجاج حضاري" ، وهي حنية رائعة لم أصادفها في مصر طوال عمري.

وتخيلوا لو أن هذه التظاهرة والتكسير والتدمير فعلتها حركة سياسية مثل كفاية أو الإخوان مثلا ، هل كان أحد يشك في تحويلهم إلى محكمة أمن الدولة العليا أو المحاكم العسكرية مباشرة ، كل هذا الحشد الإعلامي والسياسي والتهويل والضجيج زبد ، كله باطل ومحاولة للتلاعب بالعقول واختطاف الوطن في لحظة غفلة ، ولن تمر ، لأن مصر أكبر مما يتخيلون ، ووعي نخبتها الحقيقية أعمق مما يتخيلون .
جمال سلطان. كاتب ومفكر مصري