المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : تجاربُ الحياة تضرّ وتنفع


الصاعقة
24-02-2005, 07:04 PM
<div align="center">

تجاربُ الحياة تضرّ وتنفع

<span style='font-size:15pt;line-height:100%'> صحيح مائةً في المائة أنّ قلب الإنسان مرآة ؛ فإن كان صافيًا ، انعكس عليه كلُّ شيء على أصله جميلاً رائعًا ؛ وإن كان مُتَكدِّرًا مُتَلَوِّثًا ، انعكس عليه كل شيء متكدّرًا متلوّثًا ، على قدر تلوّثه وتكدّره . ولماذا يتكدّر قلبُ الإنسان ؟ الجوابُ عن ذلك : أنّ الله يخلق الإنسان على فطرته الصحيحة ؛ فالطفل البريء الغِرّ ، قلبُه صاف ؛ لأنّه لم يجرّبِ الحياةَ ، ولم يحلب الدّهرَ أَشْطُرَه . وكلّما طالت رحلتُه في الحياة ، طال مِرَاسُه للحياة ومعايشتُه لها ؛ فطالت تجربتُه وحُنْكَتُه . وكلما طالت التجربة ومعرفة الحياة عن بصيرة ، امْتَلأَ لوحُ القلب بكتابات الحياة المتنوّعة وخطوطها المكثّفة . إنّ تجاربَ الحياة تُوَاصِلُ إثباتَ خطوط مُتَعَرِّجَة على لوح القلب ، حتى يتلوّث ؛ فيعكس كلَّ شيء في الكون قبيحًا مُشَوَّهًا ، بينما كان يعكسه من قبلُ جميلاً جذّابًا . التجارب والخبرات تُجْلِي حقيقةَ كل شيء وتُعَرِّيْها ؛ فيَتَبَدَّىٰ حسنُها وقبحُها بحجمهما الصحيح . وبما أنّ الدنيا دنيئة ، فإن مُعْظَمَ الأشياء فيها تحمل صورةً من صور الفساد تتضح للإنسان حسب رحلته في تجارب الحياة ، فتَتَمَثَّلُ لديه قبيحةً كريهةً ، بينما الغِرُّ الذي لم يُجَرِّبْها تبدو لديه رائعةً طيّبة ؛ لأنه لم يطّلع على حقيقتها . ألا ترى الطفل البريء لايفرق بين الجذوة والزهرة ؛ بل يرى الحمرة فيهما ساحرة خلاّبة ، وربّما يرى الحمرةَ في الجذوة أحسنَ منها في الزهرة .

كلّما تقدّم الإنسان في السنّ تقدّم في التجربة ؛ فتقبح أغلبُ الأشياء في مُخَيِّلَتِه ، ولا تجمل فيها إلاّ بعضُ الأشياء ، التي تؤكّد تجربتُه الطويلة المتكررة أنّها جميلة في الواقع وأن مظهرها لا يختلف عن مخبرها . وهنا يعرف كلَّ شيء على حقيقته ؛ فلا يَغْتَرُّ بشيء و لاينخدع بشخص ، ولا يَسْتَسْمِنُ – كما يقول الحريري - ذا وَرَمٍ ، ولا يَنْفُخُ في غير ضَرَم .

والمُتَقَدِّمُ في السن المُجَرَّب – بفتح الراء وكسرها معًا - سعيدٌ جدًّا ، بمعنى أنه يعرف الأشياء على حقيقتها ؛ فتنتفي مظنَّةُ انخداعه بها ؛ فيمكنه أن يقوم بوظيفته في الحياة كإنسان سويّ على خير ما يُرَامُ ، ويؤدّي دوره كفرد واعٍ بمسؤوليته من أفراد المجتمع البشري ، مُتَفَادِيًا من كلّ خلل وزلل و ضلال ، سائرًا على درب الحياة في جميع مناحيها على بصيرة .

ولكنّه في الوقتِ نفسه شقيّ ؛ حيث إنّه قد عَرَفَ الأشياءَ على ما هي عليه ، وأدرك ما عند أفراد البشر من مكامن الخير والشرّ ، ومواضع الفساد التي تكثر فيهم بالقياس إلى مواضع الصلاح التي تقلّ فيهم ، لكونهم قد خُلِقُوْا ضُعَفَاءَ مُرَكَّبِين من الخطأ والنسيان ؛ فذلك الإدراكُ وتلك المعرفة يؤدّيانِ به إلى إساءة الظنّ بالناس والحياة ؛ فيبدو لديه ما في الكون – في الأغلب – مُسْوَدًّا كالحَ الوجه، ويبدو معظم أفراد الجنس البشري الذين يخالطهم سَيِّئي الأخلاق وفاسدي السيرة والسلوك ، أي تظهر عيوبهم أكثر من مناقبهم ، وتقع عيناه على جوانب فسادهم أكثر من جوانب صلاحهم ؛ فتعود الدنيا لديه بما فيها و من فيها قبيحةً مُشَوَّهَةً لا تقع عيناه على شيء فيها جميل يُؤْنِسُ قلبه ، ويخطب وُدَّه ، ويُقِرُّ عينيه ، ويُقْنِعُ عقلَه ، ويملأ فوادَه ارتياحًا ؛ وإنّما يجد كلّ شيء في الكون لا لذّةَ فيه ولا أنسَ ولا جمال ، وإنّما يثير الخرابَ والفسادَ ويدعو إلى عدم القناعة والطموح ، ويُثَبِّط الهمة للعمل المتواصل الجادّ لإعمار الأرض والتكاتف مع أفراد الجنس البشري لما ينفع الناس فيمكث في الأرض .

فهذه خسارةٌ أيُّ خسارة يجنيها المُحَنَّك المُجَرَّب من تقدّم سنّه ، ونضوج عقله ، واختمار فكره ، وطول اختباره للحياة ، وامتداد معايشته لما في الكون من الحيوان والنبات والجماد ؛ فهو يفوز بالتجربة ، ويخسر الطفولة والشباب ، وهما يُشَكِّلاَنِ قيمةً كبيرة في حياة الإنسان ، لا تساويها قيمةُ كلِّ ما في الكون ، مهما غَلاَ وعَلاَ . ومن ثم تَمَنَّى الشّعراءُ من ذوي الطموح والأماني الكبيرة العزيزة اللذيذة أن يُعَادَ إليهم شبابُهم ويُسْتَرَدَّ منهم ما مُنِحُوْا عِوَضًا عنه من الحلم والتجربة والنضوج الفكريّ ، ومنهم المتنبّئ الذي قال :

لَيْتَ الحَوَادِثَ بَاعَتْنِيْ الَّذِيْ أَخَذَتْ

مِنِّيْ بَحِلْمِيْ الَّذِي أَعْطَتْ وَتَجْرِيْبِيْ

يَتَمنَّى المتنبّئ أن تعيد إليه حوادثُ الزمان ما أَخَذَتْه منه من قبلُ من الشباب الّذي عَوَّضَتهُ عنه التجاربَ ؛ فلْتَرُدَّ إليه الشبابَ ولْتَسْتَرِدَّ منه الحلمَ والتجربةَ .

الطفولة تملأ الإنسانَ أحلامًا ألذّ من المنام ، وتجعل له الدنيا كلَّها جميلةً كالجنة ، عزيزة كالحلوى الصارخة اللون ، بريئةً كبراءته هو ؛ فهي عنده مسرّاتٌ وأغانٍ ، ومساحات خضراء ساحرة ، وأزهار متفتّحة فاتحةُ اللون فائحة الروائح ، وأطايب وملذّات لا تعُدّ ، والناس كلُّهم أقرباء متحابّون ، وأصدقاء متعاونون ، وزملاء متعاطفون ، وأعضاءُ المجتمع البشري بأجناسهم المتنوعة وأعمارهم المختلفة يرحمونَ الصغارَ ويُوَقِّرون الكبارَ ، ويحبّون لإخوانهم ما يحبّون لأنفسهم ، لا يعرفون العداء ، ولا يمارسون التباغض والتحاسد والتدابر ؛ فهو – المجتمع البشريّ – خيرٌ إلى الحدّ اللامحدود ، وطيّب إلى المستوى الذي لايُتَصَوَّر ، أي هو المجتمع الخيالي أو المثالي الذي لم يشهده الكون إلاّ في عهد الرسول الخاتم محمّد صلّى الله عليه وسلّم وعهد صحابته رضي الله عنهم أو القرون المشهود لها بالخير على لسان الرسول الصادق المصدوق S .

والشبابُ يملأ الإنسانَ عزيمةً وطموحًا ، واندفاعًا وإقدامًا ، وقدرةً على الصبر والتحمّل ، والعمل والتحرّك ، والمقارنة بين الماضي والحاضر ، وتحليل الأوضاع ، والتخطيط للمستقبل ، والحلم الزائد بإحراز التقدّم ، وبإثبات التفوّق ، وبإعداد الذات ، وتنمية المواهب ، وبإبراز الشخصية ، وبفرض الهويّة ، وبالسبق للمعالي ، وبمواصلة الجهد، لتحقيق المجد والشرف ، والفوز بالعزّ الموفور ، والصيت المذخور .

أما السنّ الذي يُكْسِبُه الحلمَ والتجربةَ ، ويُزَوِّدُه بالخبرة والتبصّر في أمور الحياة ، يكون فيه في الأغلب ، قد فَقَدَ هذه الصفات الطموحة الشجاعة ، وخَسِرَ الهمّةَ والانتعاشَ ؛ فَحظِيَ بالتجربة والمعرفة ، حينَ أضاعَ أثمن وأشمل شيء في حياته المعدودة الأنفاس المحدودة الفرص ، وهو الطفولة النـزيهة ، الحرّة الوادعـة المهملة غير المبالية ؛ والشبيبة المتحمّسة المنتعشة ، الطموحة الجريئة ، الواثقة الحالمة .

وكذلك فهو يخسر صفاءَ القلب الذي كان يتمتّع به في طفولته تمتّعًا مطلقًا ، وكان يتمتّع به في شبابه لحدّ كبير أيضًا ؛ فلا يجني من قِبَل التجربة والخبرة الحياتية ومعرفة الناس والحياة إلاّ تكدّر مرآة القلب وتلوّث مخيّلته العقلية ؛ فبينما كان يجد الجمالَ والنضارةَ في كلّ شيء إذ يعود لا يرى إلاّ القبحَ والذبولَ في كل شيء ؛ فتلك هي خسارة كبيرة أيضًا .

وكأنّ سنّة الله تعالى في الكون تجري هكذا ، أي أنّ الإنسان لابدّ له أن يَخْسَرَ شيئًا ليجد شيئًا ؛ وكأنّ كلَّ حقيقة في الحياة تقتضي ثمنًا ؛ فالفوزُ بشيء يتطلّب خسارة شيء ؛ فمن طَلَبَ العُلاَ سَهِرَ اللّيالي ؛ ومن طَلَبَ الّلآلي غاصَ البحرَ ؛ ومن طَلَبَ رِضَا الله ، لاَزَمَ مباشرةَ أوامره وتركَ منهيّاته ؛ ومن طَلَبَ العلمَ ، لاَزَمَ الورعَ ، وأقلع عن التحرر ، وتجنّبَ النوم إلاّ قدر الحاجة ، وتَرَكَ الشِبَعَ ، ودَاوَمَ على الدراسة والمذاكرة والمراجعة ، واحترز من كثير من الملذّات التي يتمتّع بها من لا يهمّه العلمُ والعزُّ والعُلاَ .

ولكنّ كلّ مرحلة من مراحل الحياة : الطفولة والشباب والكهولة والشيخوخة ، لها مزاياها التي تتفرّد بها ، ومنافعها التي لا توجد في غيرها ، وبعضُها تفضل البعضَ في المنافع ، وبعضُها كثيرةُ النّواحي الإفاديّة العديمة النظير ، وبعضُها مغبوطةٌ بل محسودَة لدى المراحل الأخرى في الفضائل . والإنسان – ولاسيّما المسلم – مُطَالَبٌ أن يقدّر حياتَه بمراحلها كلّها ، حتى لا يتحسّر عليها يومَ الموقف أمام ربّه ؛ فقد جاء في الحديث : اغتنم خمسًا قبل خمس : حياتك قبل موتك ، وصحّتَك قبل سقمك ، وغناك قبل فقرك ، وشبابك قبل هرمك ، وفراغك قبل شغلك ؛ فلابدّ أن يتخذ كلُّ مسلم هذه النصيحة النبوية الغالية مفتاحًا لإدارة حياته ؛ فلا يُضَيِّع لحظةً ما فيما لا يعنيه ولا ينفعه في الدنيا والآخرة .

أبو أسامة نور

مجلة الداعي (http://darululoom-deoband.com/arabic/magazine/1089775013/fix9sub1file.htm)

:roses:
</span></div>

رداد
25-02-2005, 11:27 AM
شكرا يا صاعقة على نقل هذا المقال جدا جميل وفي الكثير من الصحة شكرا لكِ :roses:

بحر
25-02-2005, 04:22 PM
وكذلك فهو يخسر صفاءَ القلب الذي كان يتمتّع به في طفولته تمتّعًا مطلقًا ، وكان يتمتّع به في شبابه لحدّ كبير أيضًا ؛ فلا يجني من قِبَل التجربة والخبرة الحياتية ومعرفة الناس والحياة إلاّ تكدّر مرآة القلب وتلوّث مخيّلته العقلية ؛ فبينما كان يجد الجمالَ والنضارةَ في كلّ شيء إذ يعود لا يرى إلاّ القبحَ والذبولَ في كل شيء ؛ فتلك هي خسارة كبيرة أيضًا .


رائع ما نقلته لنا اختى لا اعرف ادا ساقول انني استمعت او حزنت لقراءة المقال الدي كلامه صح في صح
اثار انتباهي هده الفقرة ولقد ابدع في الفهم......انا اتسأل كم بقي لي من الوقت حتى افقد هدا الصفاء؟؟؟؟؟؟؟؟؟

بحر

الصاعقة
28-02-2005, 12:38 PM
رداد :roses: بحر :roses:

شكرا لكما على حسن القراءة والتعقيب ..

ماماحميدة
28-02-2005, 12:59 PM
السلام عليكم ورحمةالله


احسنت الاختيار سوسو ..ومقالة استمعت بقرائتها وتحليل
الكاتب حصيلة مانكتسب من تجارب الحياة
من ايجابياتها وسلبيتها .. وبقول لبحر ماتخافي بكير
:nonooo: لسة بدري عليك

واحلى ماجاء بالمقالة ... :wub1:

ولكنّ كلّ مرحلة من مراحل الحياة : الطفولة والشباب والكهولة والشيخوخة ، لها مزاياها التي تتفرّد بها ، ومنافعها التي لا توجد في غيرها ، وبعضُها تفضل البعضَ في المنافع ، وبعضُها كثيرةُ النّواحي الإفاديّة العديمة النظير ، وبعضُها مغبوطةٌ بل محسودَة لدى المراحل الأخرى في الفضائل . والإنسان – ولاسيّما المسلم – مُطَالَبٌ أن يقدّر حياتَه بمراحلها كلّها ، حتى لا يتحسّر عليها يومَ الموقف أمام ربّه ؛ فقد جاء في الحديث : اغتنم خمسًا قبل خمس : حياتك قبل موتك ، وصحّتَك قبل سقمك ، وغناك قبل فقرك ، وشبابك قبل هرمك ، وفراغك قبل شغلك ؛ فلابدّ أن يتخذ كلُّ مسلم هذه النصيحة النبوية الغالية مفتاحًا لإدارة حياته ؛ فلا يُضَيِّع لحظةً ما فيما لا يعنيه ولا ينفعه في الدنيا والآخرة .

:respect: :rose:

Thunder
25-05-2005, 08:08 PM
جزيل الشكر الصاعقة على حسن الإختيار و مهما كانت تجارب الإنسان و طموحاته أظن أن قيمته ليست بما يبلغ اليه . :date: